القاضي النعمان المغربي

134

المجالس والمسايرات

كلام جرى في مجلس في توفيق اللّه لأوليائه : 76 - ( قال ) وسمعته عليه السلام يقول في هذا المجلس لرجل من أئمّة النحويّين - وقد جلس بين يديه - يقرّ له بالمعرفة بعلم النحو أهل زمانه : اصنع كتابا في كذا وكذا - لفنّ من صنعته ذكره له - لم يدر ذلك النحويّ معناه إلّا بعد مدّة طويلة ، وبعد أن ردّد القول والبيان فيه مرارا كثيرة ، فحينئذ فهم عنه مراده وتعاظمه تأليف « 1 » ذلك الذي أراد منه / أن يؤلّفه ، وقال : هذا وجه ما سبق إليه أحد من النحويّين ولا من أصحاب اللغة المتقدّمين ، ولا أعرف كيف أبتدئه ولا كيف آخذ فيه . وكأنّه استعان بي في العذر ، فقلت : أخبرني فلان أنّه كتب عن ثعلب النحويّ « 2 » كتابا في المقصور والممدود كان ألّفه فرأيناه لم يأت فيه إلّا بمثل ما أتى به من تقدّمه من الكلام ، وإن كان قد أجاد التأليف وزاد شيئا يسيرا . ( قال ) فقلت له في ذلك فقال : نعم ، وكذلك ألّف الناس ، وما نزل إلينا شيء من السماء ، وإنّما نأخذ من كلام الناس فنحسن النظم ونؤلّف ونزيد الشيء بعد الشيء . قال ذلك النحويّ : نعم ، كذلك / عهدنا الناس ، وعليه نحن . فقال المعزّ عليه السلام : وهذا مقال أهل العجز . نعم ، فاعمل على ما أمرنا به ، فإنّ فيه من توحيد اللّه عزّ وجلّ « 3 » وإظهار حكمته وما أيّدنا بمعرفته ، وهو يؤيّدك من سمائه فيما أمرناك به إن شاء اللّه حتّى تبلغ منه مرادنا ، على خلاف ما قال ثعلب . فقال الرجل : أرجو أن / يتمّ / ذلك إن شاء اللّه تعالى . وانصرف وقد تعاظمه أمر ما أمره به ورأى أنّه لا يقوم به . وذكر ذلك لي فقلت له : إن حسنت نيّتك وصدقت طويّتك وفّقت وهديت .

--> ( 1 ) في الأصل : وتأليف . . . ، وتعاظمه الأمر : صعب عليه . ( 2 ) ثعلب : أحد كبار النحاة الكوفيين ( ت 291 / 904 ) ولم نعلم له كتابا في المقصور والممدود ( انظر الثبت الذي صدر به عبد السلام هارون نشرته لمجالس ثعلب ) . ويبدو من هذا الخبر - بعد التمعن في التباس الضمائر - أن القاضي النعمان عرف شخصا كان جالس ثعلب ونقل عنه هذا الكتاب المجهول ، ولعل هذا الناقل لأقوال ثعلب في المقصور والممدود هو محمد بن عبد الواحد المعروف ب « غلام ثعلب » فقد نسب اليه كتاب في المقصور والممدود ، توجد منه نسخة خطية بمكتبة القرويين بفاس ( ضمن مجموع 181 ق 100 ) . ويريد النعمان بروايته أن يشجع هذا النحوي على تأليف ما أمره المعز بتأليفه . ( 3 ) لا نفهم صلة هذا الكتاب بتوحيد اللّه ، ما دمنا نجهل الأبواب التي اقترحها المعز على هذا النحوي .